الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
181
نفحات القرآن
وفي الآية الثانية اقسم تعالى بأمرين : « لَاأُقْسِمُ بِيَومِ الْقِيَامَةِ * وَلَا اقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ » . يرى البعض أنّ « لا » تحمل معنى النفي في هذه الآية ، فيكون مفهومها هو أنني لا اقسم بهذين الأمرين ، والغرض من ذلك هو التأكيد ، كما لو نقل لأحد : أنا لا أقسم بحياتك من أجل بيان أنّ حياتك أرقى من أن ينالها قسمي . لكن أكثر المفسرين يرى أنّ « لا » زائدة جاءت من أجل التأكيد ، فبناءً على هذا أقسم اللَّه ب « يوم القيامة » كما أنّه أقسم ب « النفس اللوامة » أيضاً . و « النفس اللوامة » : هي وجدان الإنسان وضميره الذي يلومه على ارتكاب الذنوب ، وكلمّا كانت الخطيئة أكبر كان توبيخ الضمير وعذاب الوجدان أشدّ ، وقد يقدم بعض الناس على الانتحار من أجل الخلاص من العذاب الحاصل من ارتكاب الذنوب العظيمة أو الجرائم البشعة ، وقد سمع أو رأى أكثرنا بهذا الأمر بالنسبة للقتلة الذين ارتكبوا جرائم عظيمة أو الذين اقترفوا ذنوباً كبيرة . وذكر هذين الأمرين ( يوم القيامة النفس اللوامة ) مقترنين بعنوان موضوعين عظيمين وقيّمين يستحقان القسم بهما إنّما هو من أجل الدلالة على الرابطة الموجودة بينهما . . . فيوم القيامة هو المحكمة الإلهيّة الكبرى و « النفس اللوامة » هي محكمة مصغرة وقيامة تستقر في أعماق روح كل إنسان ، أو بتعبير آخر كأنّ هذا التقارن يقول بلسان الحال كيف تشكّون في محكمة يوم القيامة وأنتم تشاهدون في أعماقكم نموذجاً مصغراً منه ؟ إنّكم تلمسون ذلك كثيراً فعندما تعملون عملًا صالحاً تمتلئون نشاطاً وبهجة ، فهذه السكينة وارتياح الضمير هو ثواب تمنحه أيّاكم روحكم ، وعندما تقترفون ذنباً تألمون وتنهال عليكم سياط الضمير من أعماقكم ، فهذا العذاب هو عقاب تعيّنه لكم محكمة الضمير ! . فإن كانت هناك محكمة في أعماق كل واحد منكم فكيف لا توجد هناك محكمة الهية عظيمة على مستوى الكون العظيم ؟ ! وممّا يجلب الانتباه هو القسم بنفس يوم القيامة لإثبات يوم القيامة ، فكأنّه يقول : قسماً بيوم القيامة إنّ القيامة حق « 1 » .
--> ( 1 ) يجب الالتفات إلى أنّ « ما جاء القسم من أجله » محذوف في الآية ، والدليل عليه في الجملة اللاحقة فيكون التقدير « لتبعثن يوم القيامة » .